صعود من رحم القلق: مراجعة لكتاب "جمال عبد الناصر وجيله"


 

صعود من رحم القلق: عرض ومراجعة لكتاب "جمال عبد الناصر وجيله"

تأليف ب. ج. فاتيكيوتس وترجمة أحمد نبيل اللهيب ونشر مدارات للأبحاث والنشر


جاء الكتاب في 503 صفحة من القطع المتوسط وتوزع على خمسة أقسام وعشرون فصلاً.
أوضح الكاتب في مقدمة الكتاب غرضه من هذه الدراسة، فقد نوه أن الكتاب لا يسير على سنن التراجم والسير الذاتية ولا ينتهج نهج الأبحاث النفسية للقادة والحكام، بل غرضه الرئيس هو تناول السياق الذي ظهرت فيه شخصية عبد الناصر بالدرس والبحث، وتسليط الضوء على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نشأ فيها عبد الناصر وجيله لما لها من أثر كبير على سلوكهم، ثم تتبع حركة عبد الناصر ورفاقه في هذا السياق انتهاءً بتقلدهم حكم مصر، ومحاولة رصد ظلال حكم عبد الناصر على الصعيدين المحلي والعربي.

  

القسم الأول: التكوين السياسي

جاء القسم الأول في أربعة فصول، سعى الكاتب فيها أن يرسم ملامح التكوين الشخصي والسياسي لعبد الناصر، متتبعًا مسيرة نشأته الأولى التي تميزت بعدم الاستقرار، نتيجة تنقل والده المتكرر بحكم عمله، مما أفضى إلى حياة أسرية مضطربة وعلاقة متوترة مع الأب، خاصةً بعد وفاة الأم المبكرة وإخفاء الخبر عنه. كان لهذه التجارب أثر عميق في نفسه، وأسهمت في انطوائه وميله للانعزال، كما تزامنت مع اضطراب سياسي واسع في ثلاثينيات القرن العشرين، وجد فيه ناصر مناخًا محفزًا لانخراطه المبكر في الحراك السياسي الطلابي من خلال انضمامه لجمعية مصر الفتاة. وقد انسجمت هذه الجمعية، ذات النزعة القومية الاشتراكية الإسلامية، مع مزاجه وتطلعاته، لا سيما وأنها أبرزت مفاهيم مثل الجندية والعزة والكرامة، التي ستغدو لاحقًا من مفردات خطابه السياسي. كما أضحت الكلية الحربية بالنسبة له أداة لإعادة تشكيل الذات وتجديد الروح، على خلاف دوافع أغلب أبناء جيله الذين توخوا منها الوجاهة الاجتماعية أو العائد المادي.

وقد أفرد الكاتب فصلين كاملين لتناول جمعية مصر الفتاة ومؤسسها أحمد حسين وجماعة الإخوان المسلمين باعتبارهما  الكيانين الأكثر تأثيرًا على الحراك السياسي لتلك الفترة وعلى الجيل الذي انتمى له عبد الناصر ورفاقه، ويُبرز الكتاب مدى تأثير مصر الفتاة – ومعها جماعة الإخوان المسلمين – في تكوين وعي الجيل الذي ينتمي إليه ناصر، وهو جيل اتسم بتطلعات مبهمة، وهوية وطنية مضطربة، وأحلام لم تتبلور في مشروع فكري متكامل. وفي خضم حراك طلابي نشِط، وإخفاقات حزبية متكررة، بدت البلاد مهيأة لتغيّر جذري، توجته نكبة 1948 التي شكّلت دافعًا جوهريًا لتحرك ناصر وجيله. ويرى الكاتب أن عبد الناصر وجد في الإخوان نموذجًا للتنظيم، واستفاد من شبكاتهم داخل الجيش، لكنه سرعان ما تخلّى عنهم بعد نجاح الانقلاب، لإدراكه خطورتهم على مشروعه الفردي في الحكم. وقد ذهب الكاتب إلى أن أزمة الهوية الشخصية لدى عبد ناصر وجيله التقت مع أزمة أمة كاملة، وقد صور هذا في سردية تشرح السياقات النفسية والفكرية والسياسية التي مهدت لصعود هؤلاء الضباط وعلى رأسهم عبد الناصر.

 

القسم الثاني: الوصول إلى السلطة
جاء أيضًا في أربعة فصول، تتبع فيها جذور حركة الضباط الأحرار والدور الرئيس لعبد الناصر في تنظيمها وتحريكها مرورًا بساعة الانقلاب وتوطيد أركان السلطة وإزاحة الخصوم وانتهاءً بالانتصار المطلق لعبد الناصر.

يتتبع الكاتب في هذا القسم بدايات تكوّن تنظيم الضباط الأحرار والدور المحوري الذي لعبه عبد الناصر في تأسيسه وقيادته حتى لحظة الانقلاب. ويظهر مدى تأثير شخصية اللواء عزيز المصري، الذي ألهم جيل الضباط بأفكاره الوطنية ومقولته الشهيرة بأن "لا خلاص إلا بانقلاب عسكري"، كما كانت جماعة الإخوان المسلمين صاحبة الأثر الأبلغ في تشكيل وعيهم، لا سيما بعد مشاركتهم في حرب فلسطين، كما بدا هذا التأثير على جيل الضباط الأحرار في كراهيتهم للأحزاب ونفورهم من الديمقراطية. وقد جمع بين أعضاء التنظيم انحدارهم من طبقات اجتماعية متقاربة وتجارب مشتركة في سنوات المراهقة، ما جعلهم يتطلعون إلى السلطة، غير أن تشتتهم وفقدانهم لرؤية موحدة مهد الطريق أمام عبد الناصر للهيمنة على التنظيم بفضل طموحه وانضباطه الشديد. استغل ناصر ما وصفه الكاتب بأزمة النظام، حيث بدت الفجوة بين الحكم القائم وطموحات جيل الشباب اتسعت إلى حد الانفجار، فشرع في التحرك بسرية تامة، مستفيدًا من تجارب الماضي العنيفة والسلمية، رافضًا التسرع حتى تأكد من نضوج الظروف لانتزاع السلطة.

وما إن تحقق الانقلاب بنجاح، حتى أيقن عبد الناصر أن السلطة في مصر لا يمكن أن تبقى دون "ملك" يقودها، فبدأ مشروعه للهيمنة الكاملة، واضعًا نصب عينيه السيطرة على الضباط أولًا، ثم المشهد السياسي برمّته. وقد نجح نجاحًا باهرًا في إزاحة الملكية والأحزاب وكبار رجال الطبقة الحاكمة من المشهد، في سياق صراع بدا حتميًا بعد نجاح الثورة، إذ لم يقوَ خصومه على الصمود أمام الضربات المتتالية التي وُجهت إليهم. عمد الضباط إلى سلسلة إجراءات كبتت أي مقاومة، فحلّ الخوف محل المعارضة، ثم حلّ الصمت، قبل أن تبدأ مرحلة تصفية الحلفاء؛ فهُمّش الضباط اليساريون، وفككت بنية الإخوان التنظيمية، فخسروا بذلك حضورهم السياسي. وكان التحدي الأكبر لعبد الناصر هو شخص محمد نجيب، الذي مثّل تهديدًا مباشرًا لطموحه في الانفراد بالسلطة، لاسيما بعد أن حظي بدعم الإخوان واليساريين الذين رأوا فيه بديلاً واعدًا. إلا أن ناصر - رغم اشتداد العاصفة - لم ينهزم، بل استثمر سيطرته على الجيش بوساطة عبد الحكيم عامر، وعلى الإعلام من خلال هيئة التحرير، وعلى النقابات عبر ضباط موالين له، ليحسم الصراع لصالحه ويثبت أركان حكمه بلا منازع.

القسم الثالث: حاكم مصر

جاء في خمسة فصول وهو أكبر أقسام الكتاب. وقد تناول هذا القسم سؤالًا محوريًا: كيف تمكّن عبد الناصر بعد اعتلاء عرش مصر من الحفاظ على حكمه ليغدو في نظر المصريين "الريس" والبطل المخلص الذي طال انتظاره؟ ويقدم الكاتب إجابته عبر محورين رئيسين؛ الأول هو إحكام عبد الناصر قبضته على مفاصل الدولة، لا سيما الجيش والأجهزة الأمنية والإدارية، والثاني هو سياساته الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن تواصله الدائم مع الجماهير من خلال خطاباته. فقد رأى في الجيش الدعامة الأولى لسلطته، واستعان بصديقه عبد الحكيم عامر لتأمين السيطرة عليه، لا كمؤسسة عسكرية فحسب، بل كمؤسسة بيروقراطية تتدخل في السياسة وتصدر العقوبات. وقد مكنته قيادة عامر من توظيف الجيش لخدمة أهدافه، وإن أتى ذلك على حساب الكفاءة القتالية التي تراجعت بشكل بالغ، بدءًا من العدوان الثلاثي، ومرورًا بحرب اليمن، وصولًا إلى الهزيمة الكارثية في 1967. في موازاة ذلك، أقام عبد الناصر هرمًا معقدًا من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي كانت تتعاون أحيانًا وتتنافس أحيانًا أخرى، يديرها رجال من الدائرة الضيقة للنظام من الوزراء والقيادات السياسية، ولم يتجلِّ تعقيدها إلا بعد نكسة يونيو. وقد ظل ناصر يدير شؤون الحكم بنفس السرية والحيطة التي اتبعها في الإعداد للانقلاب، فأسّس تنظيمات سياسية متتابعة وهي هيئة التحرير ثم الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي، لكنه لم يثق بأي منها، مفضلًا أن يستند حكمه إلى شعبيته الشخصية. أما المجالس التشريعية، فلم تكن سوى أدوات صورية، تابعة بالكامل لإرادة "الريس".

نجح عبد الناصر في بناء نظام هرمي يحتكر فيه السلطة على القمة، حيث لم يُفسح مجالًا للمنافسة سوى لبطانته المقرّبة، بينما انشغلت شلل الضباط وأصحاب النفوذ في التنافس على الامتيازات حتى في خضم أزمة اقتصادية طاحنة بين عامي 1965 و1966. وفي هذا السياق المضطرب، دخلت البلاد نكسة 1967، وكان ناصر حينها منهكًا روحيًا وجسديًا، فاقدًا لسند حقيقي من رفاق الثورة أو من المدنيين الذين لا يملكون أدوات القوة كالعسكر والأمن. ويخلص الكاتب إلى أن عبد الناصر كان مؤيدًا لحكومة تخدم الشعب، لكن دون أن تكون منبثقة منه؛ إذ رأى نفسه حاكمًا مطلقًا ومصلحًا أوحد، يجمع بين نزعة الاستبداد ونوايا الإصلاح.
ناقش الكاتب في فصل مستقل دوافع عبد الناصر العروبية، مؤكدًا أنها لم تكن خيارًا سياسيًا بقدر ما كانت مسألة مصيرية لتحرير المنطقة من الهيمنة الغربية، وإفساح المجال أمام مصر لتدير شؤونها باستقلال، مستفيدًا من المزايا الاقتصادية والإستراتيجية لهذه التوجهات. وقد أفرد الكاتب فصلاً لتتبع المواجهة مع إسرائيل، بدءًا من تجاهلها نسبيًا حتى 1954 إلى تصاعد الصراع، خاصة بعد العدوان الثلاثي وانتهاءً بهزيمة 1967، ويبرز كيف نظر عبد الناصر لإسرائيل باعتبارها رأس الحربة للإمبريالية الغربية، ما جعل الصراع معها وجوديًا. ويرى الكاتب أيضًا أن جانبًا من هذه المواجهة كان مدفوعًا بدوافع نفسية، إذ شكلت إسرائيل تحديًا شخصيًا لكبرياء عبد الناصر وشعورًا دائمًا بالذل والرغبة في الانتقام
.

 

القسم الرابع: الريس

جاء في ثلاثة فصول، يتناول الكاتب في هذا القسم عبد الناصر بوصفه "الريس" والزعيم الذي التحم بشعبه في علاقة استثنائية، حيث يرصد الكاتب هذه العلاقة بوصفها علاقة رومانسية وجدانية، تجسدت فيها روح الجماهير في شخصية عبد الناصر، الذي رأى فيه المصريون المخلّص الذي طال انتظاره، لا لبرنامجه السياسي أو الاقتصادي، بل لما اتسم به من صفات "ابن البلد" القريب من الناس، وغير المنتمي للنخبة المتغربة. وبرغم ما أفضت إليه سياساته من جمهورية شكلية ومبتسرة تفتقر إلى مؤسسات حقيقية تمكّن الشعب سياسيًا واقتصاديًا، فقد ظل عبد الناصر يروي ظمأ الجماهير لحالة من الإحياء الوطني والتحدي المستمر، وهو ما منحه شرعية رمزية لم تفقد بريقها طيلة سنوات حكمه.

ويستعرض الكاتب في فصل كامل الدور الحاسم الذي لعبته خطابات عبد الناصر الجماهيرية في تثبيت مكانته داخليًا وخارجيًا، واصفًا إياه بأمهر خطيب عرفه العرب في العصر الحديث. وقد ركز عبد الناصر في خطاباته على مفاهيم الكفاح الدائم والمقاومة المستمرة، خصوصًا في أوقات المحن والكوارث، كما أوهم الجماهير بمشاركتهم في صنع القرار من خلال اطلاعهم المتكرر على ما بدا وكأنه أسرار وخفايا للسياسة الداخلية والخارجية. وقد مكنه هذا الأسلوب في التواصل المباشر بالكلمة المنطوقة من تجاوز المؤسسات السياسية الوسيطة، وتعزيز موقعه كقائد فوق الهياكل المؤسسية التقليدية. ويُختتم هذا القسم بمناقشة كيف نشأ هذا النمط من الحكم المطلق في ظل تماهي عبد الناصر مع مشاعر الجماهير من شكوك وتطلعات، وبتأثير من إحساسه الشخصي بالانكسار وتجاربه الوطنية مع الهوان، ما أضفى على قراراته طابعًا انفعاليًا وانتقاميًا. وقد رحبت الجماهير بهذا النسق السلطوي، إذ رأت فيه تعبيرًا عن رغبتها في الثأر من الأنظمة السابقة، سواء كانت محلية أو استعمارية، فالتفّوا حول "الريس" لا حول سياساته، وساروا خلفه دون تمحيص أو مساءلة.

القسم الخامس: شخصية عبد الناصر وآثاره في مصر

يتناول الكاتب في هذا القسم تحليلًا مركبًا لشخصية جمال عبد الناصر وآثارها العميقة على بنية الدولة المصرية. وقد بدأ هذا التحليل بالصحة الجسدية والنفسية لعبد الناصر وانتهى بالتقييم الفكري لتجربته في حكم مصر. يستعرض الكاتب بدايةً الجانب الصحي لعبد الناصر، مشيرًا إلى معاناته المزمنة من أمراض السكري والنوبات القلبية التي اشتدت قبيل وفاته، ويتساءل إن كان لهذه العلل تأثير ما على توازنه العصبي والنفسي. ثم ينتقل إلى صفاته الشخصية التي عدّدها من الصلابة والتكتم والسرية الشديدة إلى الحساسية المفرطة والاعتداد بالنفس وحدة المزاج، مؤكدًا أن هذه السمات ساعدته على إحكام قبضته على رفاقه وعلى المشهد السياسي عمومًا، منذ تنظيمه السري وحتى حكمه المطلق لمصر. ويشير الكاتب إلى قدرة عبد الناصر على التواصل الساحر مع الجماهير والتأثير فيهم بما يشبه التنويم المغناطيسي، غير أنه يتوقف عند سؤال جوهري مفاده: "إلى أي درجة سحر عبد الناصر نفسه وغيب عقله؟" في خضم هذا، في إشارة إلى مدى تصديقه للصورة البطولية التي رسمها لنفسه وروّج لها أتباعه. كما لم يغفل الكاتب عن التوقف عند بساطة عبد الناصر في معيشته وازدرائه للترف الذي طالما لازم السلطة، وهي سمة أسهمت في تعميق صورته كزعيم شعبي متقشف.

يختم الكاتب القسم بتقييم تركة عبد الناصر السياسية والاجتماعية من خلال آراء عدد من المفكرين المصريين البارزين مثل لويس عوض وتوفيق الحكيم وفؤاد زكريا. ويتفق هؤلاء على ضرورة الإقرار بالإنجازات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي حققها عبد الناصر، وبالتحولات الجذرية التي أحدثها في مصر والعالم العربي، إلا أن هذا السرد للإيجابيات كان مجرد توطئة لنقد صارم لتجربته التي اختزلت السلطة في شخصه، وتجاهلت تأسيس مؤسسات سياسية حقيقية، وابتدعت آلة قمع مؤسسية أضعفت روح الشعب وقضت على حس المبادرة لديه، فغدا متلقيًا سلبيًا لا فاعلًا في مصيره. ويخلص الكاتب إلى أن إرث عبد الناصر الحقيقي تمثّل في بناء طبقة بيروقراطية وتكنوقراطية جديدة تدين بولائها للدولة وتُناط بها مهمة الحفاظ على النظام، لكنها طبقة بلا رؤية واضحة أو أيديولوجيا متماسكة، نشأت في غياب لبوصلة فكرية، الأمر الذي عمّق من أزمة الدولة بعد غياب عبد الناصر.

وفي الفصل الأخير، جاءت خاتمة الكتاب التي لخص فيها الكاتب غرضه الرئيس من الكتاب ألا وهو تسليط الضوء على شخصية محورية في تاريخ مصر ومنطقة الشرق الأوسط وذلك بالتعرف على السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لجيل كامل، وهذا السياق ضروري لعدم الوقوع في إشكالات منهجية قد تصل بالباحث إلى رسم صورة كاريكاتورية غير متماسكة للشخصية محل البحث، وقد أشار أن مسعاه اكتنفته تحديات كبيرة أبرزها شح المعلومات وميل عبد الناصر الشديد للسرية والتكتم، الأمر الذي يصعب على أي باحث رسم صورة دقيقة للشخصية.

 

ملاحظات سريعة:
أراد المؤلف أن يرسم صورة مركبة لعبد الناصر وجيله، فتوسّل لذلك أدوات متعددة، أبرزها التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع. ويمكن النظر إلى الكتاب كبورتريه لشخصية لعبد الناصر، رسم فيه المؤلف ملامحه الرئيسة، ونجح في إشراك القارئ في عملية التنقيب عن جذور شخصية بدت على الدوام عصيّة على الفهم بفعل تناقضاتها الظاهرة
.

طرح المؤلف أسئلة صعبة، لكنه لم ينجرّ وراء الإجابات السهلة التي كثيرًا ما تكرّرت في الكتابات الكثيرة، سواء المحلية أو الغربية، حول شخصية عبد الناصر وتجربته.
ورغم مرور ما يقرب من نصف قرن على صدور الكتاب (1976)، إلا أن القارئ يلمس بوضوح صلته الحية بواقعنا المعاصر، حيث لا يزال تأثير عبد الناصر وجيله حاضرًا ومتشابكًا في تفاصيل كثيرة من المشهد العربي.

ومع ما يبدو من حرص المؤلف على تقديم طرح موضوعي، إلا أن بعض تحيزاته الغربية كانت حاضرة، وتجلّت بشكل واضح في معالجته لصراع عبد الناصر مع إسرائيل؛ إذ بدت رؤيته متحاملة في مواضع، بل تكاد تلامس حدود العنصرية.

أكثر ما شدّني إلى الكتاب، وجعلني أُتمّه سريعًا رغم كبر حجمه، هو الترجمة الرائعة التي أتحفنا بها الزميل المترجم الأستاذ أحمد اللهيب. فلولا الإشارة إلى أنه نص مترجم، لأيقن القارئ أنه مكتوب أصالة بالعربية، لما فيه من أسلوب رشيق وصياغة سليمة خالية من التكلّف. اللغة مستقيمة، والتراكيب جزلة، والصياغة تنم عن حس أدبي وجودة قريحة، بعيدة كل البعد عن الترجمة الحرفية أو جمود الأسلوب الأكاديمي.

ولا يسعني إلا أن ألاحظ الإخراج المميز للكتاب والغلاف الفني من تصميم أحمد الصبّاغ الذي يتناغم تمامًا مع موضوعه، ما يعكس اهتمام الدار وعنايتها بتقديمه في أفضل صورة ممكنة.

 

 

 

 

Comments